Bisher & Partners
0%
Loading

مكاتب إدارة المشاريــع كمحرك تنفيذي للمرحلة الثالثة من رؤية 2030

مكاتب إدارة المشاريع: محرك التنفيذ التنفيذي لرؤية 2030

نظام التنفيـــذ الكامن خلف الرؤية

تُقاس التحولات الوطنية ببياناتهــا الطموحة، غير أن الفصل فيها يعود إلى أنظمة التنفيذ. وما يميز رؤية السعودية 2030 هو الآلية المبنية تحتها بنية تعمل، شكلاً ووظيفةً، كمكتب لإدارة المشاريع على مستوى الدولة.

ويحمل هذا التمييز وزناً أكبر في عام 2026 مما حمله في عام 2016. فقد دخلت المملكة المرحلة الثالثة من رؤية 2030، ولم تعد القدرة التنفيذية الحاسمة هي الطموح، بل حوكمة المحفظة: تحديد الأولويات، والبوابات المرحلية، وتحقيق المنافع. وبحسب خبرتنا الاستشاريــة، فإن القيد الحاكم في هذه المرحلة هو قدرة الحوكمة أي توافر الكفاءات والصلاحيات القادرة على ترتيب الأولويات، وإخضاع الأعمال للبوابات المرحلية وفق دراسة الجدوى، ومساءلتها عن المنافع التي وعدت بها.

مكتب إدارة مشاريع وطني، طبقة تلو الأخـــرى

في القمة يقع مجلس الشؤون الاقتصاديــة والتنمية، الذي أُنشئ في 29 يناير 2015 بموجب الأمر الملكي رقم (أ/69) ويرأسه ولي العهد رئيس مجلس الوزراء. ويؤدي المجلس دور مجلس إدارة المحفظة.

ويليه مكتب الإدارة الاستراتيجيــة، الذي أُنشئ في نوفمبر 2017 بوصفه الذراع التنفيذية للجنة الإدارة الاستراتيجية المنبثقة عن مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، ويؤدي دور مكتب إدارة المشاريع المؤسسي. ويوفر المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة (أداء) قياساً مستقلاً عن الجهات المنفذة.

وعلى مستوى الجهات، وافق المرسوم الملكي رقم (44643) وتاريخ 15/9/1437هـ (20 يونيو 2016) على إنشاء مكاتب لإدارة البرامج التحويلية داخل الوزارات، وحددت توصية مجلس الشؤون الاقتصاديــة والتنمية بتاريخ 25/9/1437هـ (30 يونيو 2016) تسميتها بمكاتب تحقيق الرؤية. وهي تعمل اليوم داخل وزارات من بينها الصحة والبيئة والمياه والزراعة.

والسمة الأهم هي تصميم القياس. فرؤية 2030 تُعرّف مؤشرات الأداء على ثلاثة مستويات: يقيس الأول والثاني التقدم نحو الأهداف الاستراتيجية، بينما يتتبع الثالث تنفيذ المبادرات ضمن برامج تحقيق الرؤية والاستراتيجيــات الوطنية. ويفصل النظام بين ما إذا كان العمل يُنجز وما إذا كانت الأهداف تتحقق وهو تمييز لم تصل إليه بعد، بحسب خبرتنا الاستشارية، كثير من مكاتب إدارة المشاريع في القطاع الخاص.

قراءة نتائـــج عام 2025

يسجل التقرير السنوي لرؤية 2030 لعام 2025 عدد 390 مؤشراً ذات قراءات مفعّلة ومقاسة: 309 مؤشرات حققت أو تجاوزت المستهدفــات المرحلية، و52 مؤشراً قريباً من المستهدف بنسبة 85–99%، أي 361 من أصل 390، بما يعادل 93% محققة أو قريبة من المستهدف السنوي.

وعلى مستوى المبــادرات، يسجل التقرير 1,290 مبادرة إجمالاً، منها 225 مبادرة مكتملة منذ إطلاق رؤية 2030، و935 مبادرة على المسار الصحيح أي 90% مكتملة أو على المسار الصحيح. وبالطرح البسيط من الأرقام المنشورة، تقع 130 مبادرة خارج الفئتين.

وتنتج عن ذلك قراءتان ينبغي للتنفيذييــن الأخذ بهما معاً. فعدد المبادرات المكتملة هو 225 من أصل 1,290، متراكمة عبر العقد الممتد منذ 2016. ونسبة 90% دقيقة، لكنها تصف محفظة لا تزال في طور التنفيذ في معظمها وهي تدخل سنواتها الخمس الأخيرة، لا محفظة تقترب من الاكتمال. وهذا تحديداً هو الظرف الذي يثبت فيه انضباط تحديد الأولويات جدواه، وتظل المبادرات الـ130 الواقعة خارج الفئتين الرقم الأكثر دلالة في التقرير.

وهذه الأرقام ذاتية الإبلاغ من قِبل نظام التنفيذ، وهي غير مدققة من طرف ثالث على نحو ما تُدقق حسابات الشركات المدرجة. كما تحركت أسس القياس: فقد اعتُمدت منهجية سنة الأساس المتحركة لقياس الناتج المحلي الإجمالي مطلع عام 2024 مع تحديث البيانات التاريخية تبعاً لذلك؛ ورُفع مستهدف مشاركة المرأة في سوق العمل من 30% إلى 40%؛ وراجع البنك الدولي منهجية مؤشرات الحوكمة العالمية في أواخر 2025، مع إعادة احتساب درجة فاعلية الحكومة عند 66.57%. وتُقرأ هذه التغييرات بحسن نية على أنها تقارب نحو قياس أفضل، وبتشكك على أنها نقاط مرجعية متحركة. وفي الحالتيــن، تظل المقارنة السنوية محدودة.

ويسجل التقرير أوجه قصور كذلك: فقد بلغ الاستثمــار الأجنبي المباشر 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي مقابل مستهدف سنوي قدره 3.4%.

الحجم مقابل القــدرة

يقدّر تقرير نايت فرانك السنوي الرابع للمشاريع العملاقة في السعودية (أكتوبر 2025) قيمة العقود الممنوحة للمشاريع العملاقة بـ196 مليار دولار أمريكي وفق أداة التتبع الخاصة به، بارتفاع 20% عن عام 2024. ويحدد التقرير بصورة منفصلة 17 مشروعاً عملاقاً على الساحل الغربي بالتزامــات تتجاوز 431 مليار دولار حتى 2030، ويورد بشأن الرياض إعلان مشاريع تتجاوز قيمتها 237 مليار دولار منذ 2016، مُنح منها 44 مليار دولار في عقود إنشائية. وهذه ثلاث فئات متمايزة ولا تُجمع معاً.

وفي مقابل هذا الحجم، تقف قاعدة مهنية محدودة. إذ يتوقع تقرير معهد إدارة المشاريع (PMI) عن الفجوة العالمية في مواهب إدارة المشاريع (مايو 2025) أن تحتاج السعودية نحو 438,000 متخصص في إدارة المشاريــع بحلول 2035 — وهو أعلى معدل نمو للطلب في المنطقة عند 45.9% — بينما قد يحتاج الشرق الأوسط إلى ما يصل إلى 1.8 مليون متخصص مقابل نحو 1.3 مليون في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حالياً، أي عجز يصل إلى 629,000.

وتنطبق التوطين الآن مباشرة على الأدوار المشروعية. فبموجب القرار الوزاري رقم 103105 وتاريخ 26/01/2025، ترتفع نسبة التوطين في المهن الهندسية التقنية تدريجياً إلى 30% على مدى خمس سنوات اعتباراً من 27 يوليو 2025، وتسري على المنشآت التي توظف خمسة عاملين فأكثر في المهن المحددة. وبصورة منفصلة، رفعت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعيــة، بالتعاون مع وزارة الشؤون البلدية والإسكان، نسبة التوطين في المهن الهندسية من 25% إلى 30% والحد الأدنى للأجر المؤهل من 7,000 ريال إلى 8,000 ريال عبر 46 مهنة تتطلب اعتماد الهيئة السعودية للمهندسين، اعتباراً من 31 ديسمبر 2025، على أن يبدأ التطبيق بعد ستة أشهر من تاريخ الإصدار. وتمتد مرحلة جديدة من برنامج نطاقات المطوّر ثلاث سنوات اعتباراً من 2026، تستهدف توطين أكثر من 340,000 وظيفة إضافية في القطاع الخاص. وعدم الالتزام ليس مسألة سمعة: فتصنيف نطاقات يحكم الوصول إلى رخص العمل وتجديد الإقامات وخدمات المنشآت، والنزول تحت الحد يقيّدها.

تتبع المخرجـــات مقابل تحقيق النتائج

يسأل تتبع المخرجات عمّا إذا كانت المبادرات قد أُغلقت والعقود قد مُنحت. أما تحقيق النتائج فيسأل عمّا إذا كانت القيمة المقصودة قد تحققت فعلاً. ومهمة مكتب إدارة المشاريع الاستراتيجــي هي إبقاء السؤال الثاني مفتوحاً بتتبع المنافع بعد التسليم، وتطبيق البوابات المرحلية على أساس دراسة الجدوى لا جاهزية التنفيذ، والتصعيد حين تكون المبادرة ملتزمة بالوقت والميزانية لكنها منحرفة عن المنافع.

وانحياز التفاؤل موثق في أدبيات المشاريع الكبرى. فقد وجد فليفبيرغ وزملاؤه، بفحص 258 مشروعاً للبنية التحتية للنقل في 20 دولة، تصاعداً في التكاليف في نحو تسعة من كل عشرة مشاريع، بمتوسط 45% للسكك الحديدية، و34% للوصلات الثابتة، و20% للطرق، وبمتوسط عام قدره 28%، دون تحسن في دقة التقدير عبر سبعين عاماً. أما الادعاء المتكرر بأن 90% من الاستراتيجيــات تفشل في التنفيذ فيستوجب حذراً أكبر: إذ إن نسبته إلى كابلان ونورتون محل خلاف، وتخلص المراجعات المحكّمة للأدبيات إلى أن التقديرات تستند إلى أدلة قديمة أو مجتزأة، وأن معدل الفشل الحقيقي يبقى غير محدد. فليُتعامل معه كمؤشر اتجاه لا كإحصاء.

أجندة التنفيذييــن

إعادة تموضع مكتب إدارة المشاريع من برج مراقبة إلى مكتب لتنفيذ الاستراتيجيــة. امنحه ملكية صريحة لتحقيق المنافع وتحديد أولويات المحفظة، وخط اتصال مباشر باللجنة التنفيذيــة، وصلاحية التوصية بإيقاف الأعمال. وينبغي أن يكون قادراً على تسمية المبادرات التي أوصى بتأجيلها هذا الربع.

تركيب بوابات مرحلية مرتبطة بالقدرة على التحمل المالي لا بالجاهزيــة وحدها. لا تتقدم أي حزمة دون دراسة جدوى معتمدة، وخطة تكلفة ضمن حدود القدرة المالية، وخريطة للترابطــات.

الفصل بين مقاييس المخرجات والنتائــج في كل ملف يُعرض على المجلس. أورد المبادرات المكتملة والمنافع المحققة في عمودين منفصلين، كما يفعل الهيكل ثلاثي المستويــات، وأورد عدد المبادرات المعاد تحديد نطاقها صراحةً.

التعامل مع قدرة الحوكمــة بوصفها القيد. تتبّع تغطية الأدوار البرامجية الحرجة بالكفاءات المعتمدة والسعوديــة كمؤشر ضمن المحفظة، منمذجاً مقابل متطلب الـ30% للمهن الهندسية ومرحلة نطاقات 2026–2028 لا مقابل أعداد الموظفين الحالية.

حماية استقلالية القياس. حاكِ مبدأ "أداء" داخلياً: لا ينبغي أن ترفع الجهة التي تقيس المنافع تقاريرهــا إلى الجهة التي تحققها.

ما ينبغي مراقبتــه

ثلاثة مؤشرات قابلة للرصد. ما إذا كان الناتج الإنشائي السعودي يسير نحو 191 مليار دولار بحلول 2029 وفق توقعات نايت فرانك، بزيادة 29% عن 2024. وما إذا كانت المبادرات تتحول من "على المسار الصحيح" إلى "مكتملة"، وهو أوضح مؤشر متاح على إنتاجية التنفيذ. وما إذا كان رصيد المبــادرات المعاد تحديد نطاقها يتسع أم ينكمش.

وتشير المؤشرات الثلاثة جميعها إلى السؤال ذاته، والإجابة تمر عبر قدرة الحوكمــة.

المزيد حول الموضــوع