تأسيس PMO بتفويض حقيقي: دليل مجلس الإدارة لحوكمة التنفيــذ

سؤال الحوكمـــة قد تغيّر
يسجّل تقرير Knight Frank Saudi Arabia Giga Projects Report 2025 قيمة تراكمية للعقود المرساة للمشاريع العملاقــة في المملكة بلغت 196 مليار دولار، بارتفاع قدره 20% عن 2024، في ما يراه التقرير مؤشرًا على انتقال رؤية 2030 من مرحلة التخطيط إلى التنفيــذ. وعلى الساحل الغربي وحده، يجري تنفيذ 17 مشروعًا عملاقًا باستثمارات معلنة قدرها 431.3 مليار دولار منذ 2016؛ أُرسي منها 57 مليار دولار، فيما تبلغ قيمة المشاريع التي لا تزال في خط الأنابيــب 187.2 مليار دولار.
وفي 2026، دخلت المملكة المرحلة الثالثة والأخيــرة من رؤية 2030، الممتدة حتى 2030، مع انتقال التركيز بصورة متزايدة إلى تسريع التنفيذ وتعظيم القيمة والأثر.
الانضباط المالي هو العامل الدافع. تحدد ميزانية العام المالي 2026 إجمالي النفقــات عند 1.313 تريليون ريال، مقابل 1.336 تريليــون ريال كتقدير محدث لنفقات 2025، وإيرادات قدرها 1.147 تريليون ريال، وعجز مقدر بنحو 165 مليار ريال، أي ما يعادل نحو 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي. والـ1.336 تريليون ريال ليست الميزانية الأصلية المعتمدة لعام 2025؛ بل هي التقدير المحدث الوارد في بيان ميزانية 2026، في حين كان الرقم الأصلي للميزانيــة المعتمدة لعام 2025 هو 1.285 تريليون ريال.
تستحق معدلات الأساس الانتبــاه. تغطي قاعدة بيانات Bent Flyvbjerg أكثر من 16,000 مشروع كبير في 136 دولة، وتظهر أن 8.5% فقط من المشاريــع تحقق هدفي التكلفة والوقت معًا، فيما تحقق 0.5% منها الأهداف الثلاثة: التكلفة والوقت والمنافع الموعودة.
لا يوجد نظام يوجب إنشاء مكتب لإدارة المشاريــع. التفويض مُستمدّ.
لا يوجب نظام الشركات السعودي ولا لائحة حوكمة الشركات الصادرة عن هيئة السوق المالية إنشاء مكتب لإدارة المشاريع (PMO) بوصفه هيكلًا تنظيميًا محددًا. ويُستمد الأساس الحوكمي لإنشاء هذه الوظيفة بصورة غير مباشرة من مسؤوليــات مجلس الإدارة وواجبات أعضائه؛ ولذلك ينبغي للمجلس أن يحدد هذا الأساس صراحةً، بدل الإيحاء بوجود متطلب نظامي مستقل بإنشاء PMO.
بموجب المــادة (26) من نظام الشركات، يلتزم المدير وعضو مجلس الإدارة بواجبَي العناية والولاء، بما يشمل اتخاذ القرارات أو التصويت عليها باستقلالية، وبذل العناية والاهتمام والحرص والمهارة المتوقعة والمعقولة في أداء مهامه. وتعالج المادة (27) حالات تعارض المصالح والمنافسة واستغلال أصول الشركة أو معلوماتها أو الفرص الاستثماريــة المتاحة لها.
أما المــادة (31) فتقرر «قاعدة تقييم القرار». ويُعد عضو مجلس الإدارة قد أدى واجبه في القرار الذي اتخذه أو صوّت عليه بحسن نية إذا لم تكن له مصلحة في موضوع القرار، وأحاط بالموضوع إحاطةً مناسبة في ضوء الظروف المحيطــة، وكان يعتقد بصورة معقولة أن القرار يحقق مصلحة الشركة. ويقع عبء إثبات خلاف ذلك على المدعي.
والنتيجة العملية مهمة: لا تقوم الحماية على مجرد وجود قرار تجاري، بل على إمكانية إثبات أن القرار اتُخذ بحسن نية، وبعد إحاطة مناسبة بالموضوع، ومن دون مصلحة للعضو في موضوع القرار. ومن هنا تصبح عملية حوكمة التنفيذ الموثقة والقائمة على الأدلة عنصرًا مهمًا في دعم قدرة المجلس على إثبات سلامة عملية اتخاذ القرار، ولا سيما في القرارات ذات الأثر المالي أو الاستراتيجــي الكبير.
المخاطــر نظامية
بموجــب المــادة (28)، يكون المديرون وأعضاء مجلس الإدارة مسؤولين بالتضامن عن تعويض الشركة أو الشركاء أو المساهمين أو الغير عن الضرر الناشئ عن مخالفة أحكام النظام أو عقد التأسيس أو النظام الأساس، أو عن الأخطاء أو الإهمال أو التقصير في أداء أعمالهم. وكل شرط يقضي بغير ذلك يعد كأن لم يكن. كما لا يسأل المدير أو العضو المعارض إذا أثبت اعتراضه صراحة في محضر الاجتمــاع، وفق الضوابط الواردة في النظام.
وبموجب المادة (29)، يمكن للمساهمين الذين يمثلون 5% من رأس المال، وفق الشروط النظامية، رفع دعوى المسؤوليــة نيابة عن الشركة إذا لم ترفعها الشركة. أما المادة (30) فتحدد مدة عدم سماع دعوى المسؤوليــة بخمس سنوات من نهاية السنة المالية التي وقع فيها الفعل الضار، أو ثلاث سنوات من انتهاء خدمة المدير أو عضوية عضو مجلس الإدارة، أيهما أبعد، مع الاستثنــاءات النظامية المتعلقة بالغش والتزوير.
المدخل الهيكلــي قائم
بموجب المادة (47) من لائحة حوكمة الشركــات، يشكل مجلس الإدارة اللجان المتخصصة وفقًا لظروف الشركة واحتياجاتهــا، ووفق إجراءات عامة يضعها المجلس تحدد مهام كل لجنة ومدتها وصلاحياتها، مع متابعة أعمالها بانتظام. والأهم أن تفويض بعض الصلاحيات إلى لجنة لا يحول دون بقاء المسؤولية الأصلية على عاتق مجلس الإدارة.
وهذا هو الأساس الأنسب لإنشاء وظيفة حوكمة تنفيذ أو PMO ذات مرجعية مجلسيــة: ليس باعتبارها وظيفة يفرضها النظام، بل باعتبارها آلية يختارها المجلس لتنفيذ واجباته في العناية والرقابة واتخاذ القرار المستنيــر.
وأقرب نظير تنظيمــي لذلك هو لجنة إدارة المخاطر المنصــوص عليها في المواد (67) إلى (69) من اللائحة. وتحدد هذه المواد تشكيل اللجنة واختصاصاتها واجتماعاتهــا، بما في ذلك اجتماعها دوريًا مرة واحدة على الأقل كل ستة أشهر. كما تشمل اختصاصاتها تحديد المخاطر التي تهدد بقاء الشركة خلال الاثني عشر شهرًا التالية. وتظهر اللائحة أن هذه الأحكام ذات طبيعة استرشادية حيث يرد وصفها كذلك في النص التنظيمي.
وهذا ليس ضعفًا في الحجة؛ بل هو جوهرهــا. الهيكل متاح، لكن استخدامه والصلاحيــات الممنوحة له قرار يعود إلى المجلس، ويُفترض أن يُصمم بما يتناسب مع طبيعة الشركة وحجم مخاطرها وتعقيد أعمالها.
القيود الخاصة بالتنفيـــذ الحكومي
بالنسبة إلى الجهات التي تنفذ أعمالًا عامة، فإن حوكمة التنفيذ لا تُصمم في فراغ؛ بل تتأثر مباشرةً بنظام المنافسات والمشتريات الحكومية والنماذج الموحدة والعقود والحدود النظامية الخاصة بالتغيير والجزاءات والصلاحيــات.
وبحسب النظام الجديد الذي أقره مجلس الوزراء في 4 أغسطس 2026، والذي يحل محل النظام الصادر بالمرســوم الملكي رقم (م/128) وتاريخ 13/11/1440هـ وفق أحكام النفاذ والإلغاء الواردة فيه، طرأت تغييرات مهمة على بعض حدود التعديل والتفويض والشراء المباشر والجــزاءات.
ومن منظور تصميم ميثاق PMO، ينبغي التعامل مع هذه التغييــرات بوصفها معايير يجب أن تنعكس في مصفوفة الصلاحيــات ومسارات الموافقة، لا باعتبارها مجرد تحديث قانوني منفصل.
وبحسب التفاصيل الواردة في النسخة محل المراجعة، تتضمن التغييــرات حدودًا جديدة لأوامر التغيير، وحدًا أقصى لغرامات التأخير والتقصير يبلغ 15% من قيمة العقد، ورفع سقف الشراء المباشر إلى مليون ريال، إضافة إلى تعديلات على حدود التفويض والصلاحيــات الداخلية. وبما أن النص الرسمي الكامل للنظام الجديد ولائحته التنفيذية لم يكن متاحًا للتحقق الأولي من كل مادة على حدة، ينبغي إعادة مطابقة هذه الأرقام مع النص المنشور رسميًا قبل النشر النهائــي.
والنتيجة العملية بالنسبة للمواثيق القائمة واضحة: أي ميثاق PMO صيغ على أساس الحدود السابقة يجب أن يخضع لمراجعة قانونية وتنظيمية عند نفاذ النظام الجديد ولائحته التنفيذيــة.
كيف يبدو التفويض الحقيقـــي
تعمل المملكة بالفعل وفق نموذج مؤسسي لقياس الأداء الحكومــي. فقد أُنشئ المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة «أداء» بقرار من مجلس الوزراء بتاريخ 6/1/1437هـ، ويتركز دوره في قياس أداء الجهات العامة وتمكينهــا من تحسين أدائها وقياس مؤشرات الأداء.
ويقدم نموذج «أداء» مبدأً مؤسسيًا يمكن الاستفــادة منه في بيئة الشركات: القياس المنهجي للأداء، وربطه بالأهداف، وتحويل البيانات إلى مدخلات للقرار.
وبالنسبــة إلى PMO مؤسسي، يمكن ترجمة هذا المبدأ إلى أربعة عناصر:
- خط تقارير مستقل عن الجهة التنفيذيــة التي يجري تقييم أدائها.
- مؤشرات تركز على النتائج والأثــر، لا على النشاط وحده.
- وتيرة تقارير محددة مسبقًا ومرتبطة بتواريخ وقـــرارات واضحة.
- قدرة فعلية على الوصول إلى البيانات والتحقق منها داخل وحدات الأعمــال.
هيكلة التفويــض
- إنشاء الوظيفة: بموجب قرار من مجلس الإدارة، مع إجراءات مكتوبة تحدد المهام والمدة والصلاحيــات، وربط واضح بمسؤولية المجلس عن الإشراف.
- خط التقارير: توجيه التقارير إلى مجلس الإدارة أو لجنة مناسبة تابعة له، بدل تمرير التقارير عبر الجهة التنفيذيــة التي تخضع أعمالها للتقييم.
- البوابات المرحليــة: منح وظيفة الحوكمة صلاحية رفع توصية أو طلب اعتماد عند نقاط القرار الجوهرية قبل الالتزام المادي أو التعاقــدي، مع تحديد صاحب القرار النهائي صراحةً.
- مؤشرات الأداء: إلزام المشاريع باستخدام مؤشرات قابلة للقياس ومرتبطة بالنتائــج، مع وتيرة تقارير محددة بدل الاكتفاء بتحديثات سردية عن الحالة.
- التناسب مع القدرة: يجب أن يتناسب نطاق التفويض مع القدرة الفعلية على التنفيذ. يقدر PMI أن قوة العمل العالمية في إدارة المشاريــع تبلغ نحو 39.6 مليون متخصص، وأن الطلب قد يصل إلى ما يقــارب 65 مليونًا بحلول 2035، بما يترك فجوة تصل إلى 29.8 مليون متخصص في السيناريوهــات المعنية. ومن ثم فإن تفويضًا واسعًا بلا قدرة بشرية ومهنية كافية قد يكون غير قابل للتنفيذ عمليًا.
المجالس التي تتعامل مع حوكمة التنفيذ باعتبارها شأنًا تشغيليًا بحتًا قد تسيء، في ضوء هذه المعطيات، تقدير طبيعة المسؤوليــة الواقعة عليها. فالمسألة ليست إنشاء مكتب إضافي، بل تحديد من يملك حق المعرفــة، ومن يملك حق التحدي، ومن يملك حق إيقاف القرار أو إعادته إلى المجلس قبل أن يتحول الخطر إلى التزام مادي.
والخطوة التالية المناسبــة هي إجراء مراجعة تشخيصية لمواضع اعتماد قرارات التنفيذ حاليًا: من يوافق؟ على أي أساس؟ ما البيانات التي تصل إلى المجلس؟ أين توجد نقاط التحقق المستقلــة؟ وهل يستطيع الهيكل الحالي الصمود أمام فحص قانوني أو مالي أو حوكمي بعد وقوع الضرر؟


