لماذا تتعثر مشاريع الذكاء الاصطناعي بعد العرض التجريبـــي؟

من العرض التجريبي للذكاء الاصطناعي إلى الإنتاج: نموذج التشغيل وراء القدرة التشغيلية للذكاء الاصطناعــي
قد يكون العرض التجريبي للذكاء الاصطناعي مقنعاً من الناحية التقنية. فقد يستطيع النموذج تصنيف المستندات، أو إنشاء الردود، أو تلخيص المعلومــات، أو التنبؤ بنتيجة، أو أتمتة مهمة متكررة ضمن بيئة مضبوطة.
لكن الاختبار يتغير عندما تنتقل هذه القدرة إلى المؤسســة.
قد تكون البيانات موزعة بين أنظمة مختلفة. وقد تتبع حقوق الوصول هياكل الصلاحيات القائمة. وقد تكون سير العمل مصممة حول اتخاذ القرار البشري بدلاً من المخرجات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي. وقد تحتاج ملكية مخرجات الذكاء الاصطناعي إلى تحديد واضح. وقد تحتاج الأنظمة الأخرى إلى تنسيق محدد حتى تتمكن من استخدام النتيجة. وقد يحتاج الموظفون إلى حدود واضحة تحدد متى يمكن الاعتماد على النموذج ومتى يلزم التدخل البشري. كما قد تحتاج ضوابط الأمن والحوكمة إلى مراعاة الطريقة التي يصل بها سير عمل الذكاء الاصطناعي إلى المعلومات ويتخذ الإجــراءات.
لذلك لا يعود السؤال مقتصراً على ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يعمل في العرض التجريبــي.
بل يصبح السؤال ما إذا كانت هذه القدرة تستطيع العمل بصورة متكررة ضمن الأنظمة وسير العمل وبيئة الضوابط القائمة في المؤسســة.
نجاح العرض التجريبي لا يثبت الجاهزية التشغيليـــة
يعمل العرض التجريبي عادةً ضمن ظروف محددة ومضبوطة. تكون المدخلات محكومة، وحالة الاستخدام ضيقة، والمخرجات المتوقعة معروفة، ويمكن لفريق المشروع التعامل مباشرة مع الحالات الاستثنائيــة.
أما الإنتاج فيُدخل القدرة إلى بيئة تشغيل مختلفـــة.
تتعامل المؤسسات مع سجلات غير مكتملة، وعمليات متغيرة، وأنظمة متعددة، وبيانات غير متسقة، ومتطلبات للموافقات وأولويات متنافسة. ولذلك يجب أن تعمل قدرة الذكاء الاصطناعــي ضمن البيئة التي تُنجز فيها المهمة فعلياً.
وهذا يميز بين بُعدين مختلفين للأداء: الأداء التقني، الذي يتعلق بمدى جودة أداء الذكاء الاصطناعي للمهمة المقصــودة، والأداء التشغيلي، الذي يتعلق بكيفية عمل هذه القدرة ضمن سير العمل الأوســع.
وبذلك يمكن أن يكون النموذج قادراً من الناحية التقنية، بينما تحد البيئة التشغيليــة المحيطة به من القيمة التي يحققها النشر.
نموذج التشغيل المحيط بالذكاء الاصطناعـــي
تركز نقاشات الذكاء الاصطناعي غالباً على النموذج: أي نموذج يجب استخدامه؟ ما مستوى دقته؟ ما سرعة استجابتــه؟ وكم تكلفته؟
هذه الأسئلة مهمة، فهي تصف القدرة التقنيـــة.
أما نموذج التشغيل فيتناول ما يحيط بهذه القـــدرة.
فهو يحدد من أين يحصل الذكاء الاصطناعي على البيانات، وما الأنظمة التي يمكنه الوصول إليها، وما القرارات التي يمكنه التأثير فيها، ومن يتحمل المسؤولية عن مخرجاته، وما الذي يحدث عندما تكون درجة الثقة غير كافية، ومتى تكون الموافقة البشرية مطلوبة، وكيف تُسجل الإجــراءات، وكيف يستمر سير العمل بعد إنتاج النتيجة.
وتربط هذه القرارات قدرة الذكاء الاصطناعي بالأنظمة والعمليات والأشخاص والصلاحيات والضوابط اللازمة لاستخدامهــا بصورة متكررة.
فالنموذج يمثل مكوّناً واحداً من عملية النشر، بينما يحدد نموذج التشغيل الظروف التي يعمل ضمنها هذا المكوّن داخل المؤسســة.
يصبح التكامل جزءاً من مشروع الذكاء الاصطناعـــي
قد تعمل المؤسسة بالفعل باستخدام أنظمة تخطيط موارد المؤسسات، وإدارة علاقات العملاء، ومستودعات المستنــدات، وقواعد البيانات الداخلية، وأدوات الاتصال وتطبيقات سير العمل. ويصبح التكامل قضية تشغيلية عندما تستخدم هذه الأنظمة تعريفات مختلفة للبيانات، أو حدود ملكية مختلفة، أو مسارات موافقة غير متطابقة.
ولا يلغي الذكاء الاصطناعي هذه الاعتمـــادات.
بل يجب أن يعمل من خلالهـــا.
فقد ينتج النموذج توصية دقيقة، بينما يظل سير العمل المحيط به من دون مسار موثوق لإيصال هذه التوصية إلى الشخص المسؤول عن تنفيذهــا.
وينطبق المبدأ نفسه على الأتمتـــة.
قد يكون وكيل الذكاء الاصطناعي قادراً على تنفيذ مهمة، لكن نشره يتطلب تحديد حدود الإجراءات التي يمكنه تنفيذها، والإجراءات التي تتطلب موافقة، والمعلومات التي يمكنه الوصول إليها، وكيف تتم مراقبة تلك الإجــراءات.
وبذلك تمثل قدرة الذكاء الاصطناعــي مكوّناً واحداً من نظام التشغيل المؤسسي الأوسع.
تصبح جودة البيانـــات قضية تشغيلية
قد يجعل نشر الذكاء الاصطناعــي نقاط الضعف القائمة في بيئة البيانات أكثر وضوحاً.
فالسجلات المكررة، وقواعد البيانات المتفرقة، والتعريفــات غير المتسقة، وغياب وضوح ملكية البيانات تصبح ذات أثر تشغيلي عندما يعتمد سير عمل الذكاء الاصطناعي على معلومات من مصادر متعددة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الذكاء الاصطناعــي أنشأ نقاط الضعف هذه. بل يكشف النشر عن اعتمادات تحتاج المؤسسة إلى فهمها قبل أن يعمل سير العمل بصورة موثوقة.
ولهذا تصبح ملكية البيانات، وموثوقية مصادرها، وتواتر تحديثها، وحقوق الوصول إليها، والعلاقات بين مصادر البيانات المختلفــة، جزءاً من نموذج التشغيل.
وعلى نطاق واسع، يمكن للغموض غير المحسوم في هذه الجوانب أن يؤثر في مدى موثوقية انتقال سير عمل الذكاء الاصطناعي من المعلومــات إلى القرار، ومن القرار إلى الإجراء.
يجب أن تكون الحوكمـــة داخل سير العمل
تتحول الحوكمة إلى ممارسة تشغيلية عندما تنعكس متطلباتها داخل سير العمل نفسه بدلاً من بقائها محصورة في وثائق السياســات.
والسؤال هنا هو: كيف تبدو هذه المتطلبات عند النقطة التي يُستخدم فيها الذكاء الاصطناعــي؟
بحسب طبيعة النشر، قد تشمل الضوابط البيانات الحساسة، والوصول إلى النموذج، والمراجعة البشرية، وسجلات التدقيق، ومسارات التصعيد، والتعامل مع الحالات الاستثنائيــة.
كما يختلف هيكل الضوابط باختلاف نوع نشر الذكاء الاصطناعــي.
فالنظام الذي يولد التوصيــات قد يعمل ضمن حدود رقابية مختلفة عن سير عمل ينفذ معاملات أو يغيّر سجلات.
وبذلك لا تتحدد حدود التشغيل بالسياسات وحدها، بل بما يُسمح للذكاء الاصطناعــي بالوصول إليه واتخاذ القرار بشأنه وتنفيذه داخل سير العمل.
يبقى دور الإنسان جزءاً من نموذج التشغيـــل
لا يحدد الانتقال من العرض التجريبي إلى الإنتاج وحده مستوى المشاركة البشرية المناسب في العمليــة.
والتمييز الأساسي هنا هو بين القرارات التي يدعمها الذكاء الاصطناعي والقرارات التي تبقى المسؤوليــة المؤسسية عنها لدى الإنسان.
ويؤثر هذا التمييز في حدود الموافقة، وقواعد التصعيد، والمسؤوليــة، ومراقبة الأداء.
فقد يترك نظام التوصيات القرار النهائي للإنسان. وقد يتطلب سير العمل الموجه بالمعامــلات موافقة قبل التنفيذ. وقد يعمل سير عمل أكثر استقلالية ضمن حدود وشروط تصعيد محددة مسبقاً.
وبذلك يربط نموذج التشغيل بين الأتمتة والنقاط التي يظل فيها الحكم البشري والمسؤوليــة ضروريين.
يتطلب التشغيـــل حلقة تغذية راجعة
يحتاج الذكاء الاصطناعي في الإنتاج إلى آلية لرصد ما يحدث بعد إنتاج النظام لمخرجاتــه.
تحتاج المخرجات إلى المراقبة، والحالات الاستثنائيــة إلى التسجيل، وملاحظات المستخدمين إلى الوصول إلى عملية التشغيل، كما يحتاج الأداء إلى المراجعة بالاستناد إلى النتائج التشغيلية، وليس إلى مؤشرات النموذج وحدها.
وبالنسبة إلى سير عمل الذكاء الاصطناعــي في الإنتاج، ينشئ ذلك دورة متكررة:
البيانات ← قرار الذكاء الاصطناعــي ← إجراء بشري أو آلي ← نتيجة ← تغذية راجعة ← تحسين محكوم بالضوابط
وتختلف الضوابط ودورية المراقبة بحسب طبيعة النشر، وقد تحتاج إلى الاستجابة عندما تتغير الظروف أو البيانات أو سلوك المستخدميــن. لكن المبدأ الأساسي هو أن يظل الأداء التشغيلي قابلاً للملاحظة بعد التنفيذ الأولي.
قياس العمل، لا النمـــوذج وحده
لا ينبغي تقييم مشروع الذكاء الاصطناعــي من خلال أداء النموذج في بيئة الاختبار فقط.
تظل الدقة التقنيــة مهمة، لكنها لا تصف وحدها أثر القدرة على العمل المحيط بها.
ويوفر الأداء التشغيلي وسيلة لربط القدرة التقنية بالقيمة المؤسسيــة.
ويمكن فحص هذا الارتباط من خلال مؤشرات مثل اكتمال سير العمل، ووقت الدورة، ومعدلات الاستثناء، والتبني، وحجم التدخل البشري، وجودة القرارات. وتختلف المؤشرات المناسبة بحسب الدور الذي يؤديه الذكاء الاصطناعــي.
وبذلك لا يتمثل الهدف في إثبات أن الذكاء الاصطناعــي يستطيع تنفيذ مهمة ما فحسب.
بل في تحديد ما إذا كانت هذه القدرة تستطيع العمل بصورة موثوقة ضمن العمل الذي صُممت لدعمــه.
من النموذج الأولي إلى القدرة التشغيليـــة
لذلك فإن الانتقال من العرض التجريبي للذكاء الاصطناعــي إلى الإنتاج ليس مجرد خطوة نشر.
إنه قرار بشأن نموذج التشغيل المحيط بقدرة الذكاء الاصطناعــي.
ويظل النموذج نفسه مهماً، لكن قابلية التشغيل الفعلي تعتمد أيضاً على ربطه ببيانات موثوقة، وأنظمة قائمة، وسير عمل محدد، ومسؤوليــات واضحة، وضوابط مناسبة.
وفي بيئات التشغيل السعودية، يمكن أن يتقاطع نموذج التشغيل هذا أيضاً مع الآليات الوطنية ذات الصلة بالذكاء الاصطناعي وحوكمة البيانــات. إذ يُعد إطار تبني الذكاء الاصطناعي لدى سدايا مرجعاً إرشادياً يوفر نهجاً شاملاً لتبني الذكاء الاصطناعي عبر القطاعــات، بينما تسهم مبادئ وضوابط أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في تطبيق الأخلاقيات خلال مراحل دورة حياة تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي. كما توفر منصة حوكمة البيانات الوطنية مجموعة من الخدمات والأدوات المرتبطة بحوكمة البيانات وحماية البيانات الشخصية، ومن بينها أداة التقييم الذاتي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي التي تمكّن الجهات من إجراء تقييم منهجي لمدى التزامها بالمعايير الأخلاقية في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقهــا.
ولا تحل هذه الأطر والأدوات محل نموذج التشغيل داخل المؤسسة، بل تمثل جزءاً من بيئة الحوكمة الوطنية التي قد يعمل نشر الذكاء الاصطناعــي ضمنها.
يمكن للعرض التجريبي أن يثبت ما تستطيع قدرة الذكاء الاصطناعــي فعله.
أما نموذج التشغيل فيحدد كيفية عمل هذه القدرة ضمن أعمال المؤسسة وضوابطها وهيكل المسؤوليــة فيها.


